محمد بن جرير الطبري
182
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وكذاب صنعاء العنسي " وكان يقال له الأسود . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، قال : أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ قال : نزلت في مسيلمة . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، وزاد فيه : وأخبرني الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " بينا أنا نائم رأيت في يدي سوارين من ذهب ، فكبر ذلك علي ، فأوحي إلي أن انفخهما ، فنفخهما فطارا ، فأولت ذلك كذاب اليمامة ، وكذاب صنعاء العنسي " . وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب ، أن يقال : إن الله قال : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ ولا تمانع بين علماء الأمة أن ابن أبي سرح كان ممن قال : إني قد قلت مثل ما قال محمد ، وأنه ارتد عن إسلامه ولحق بالمشركين . فكان لا شك بذلك من قيله مفتريا كذبا . وكذلك لا خلاف بين الجميع أن مسيلمة والعنسي الكذابين ادعيا على الله كذبا أنه بعثهما نبيين ، وقال كل واحد منهما : إن الله أوحى إليه ؛ وهو كاذب في قيله . فإذ كان ذلك كذلك ، فقد دخل في هذه الآية كل من كان مختلقا على الله كذبا وقائلا في ذلك الزمان وفي غيره أوحى الله إليه ، وهو في قيله كاذب لم يوح الله إليه شيئا . فأما التنزيل فإنه جائز أن يكون نزل بسبب بعضهم ، وجائز أن يكون نزل بسبب جميعهم ، وجائز أن يكون عني به جميع المشركين من العرب ، إذ كان قائلوا ذلك منهم فلم يغيروه ، فعيرهم الله بذلك وتوعدهم بالعقوبة على تركهم نكير ذلك . ومع تركهم نكيره ، هم بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم مكذبون ، ولنبوته جاحدون ، ولآيات كتاب الله وتنزيله دافعون ، فقال لهم جل ثناؤه : ومن أظلم ممن ادعى على النبوة كاذبا وقال : أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ ومع ذلك يقول : ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ فينقض قوله بقوله ، ويكذب بالذي تحققه ، وينفي ما يثبته وذلك إذا تدبره العاقل الأريب ، علم أن فاعله من عقله عديم . وقد روي عن ابن عباس ، أنه كان يقول في قوله : وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ ما : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله : وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ قال : زعم أنه لو شاء قال مثله يعني الشعر . فكان ابن عباس في تأويله هذا على ما تأوله يوجه معنى قول قائل : سأنزل مثل ما أنزل الله ، إلي : سأنزل مثل ما قال الله من الشعر . وكذلك تأوله السدي ، وقد ذكرنا الرواية عنه قبل فيما مضى . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ولو ترى يا محمد حين يغمر الموت بسكراته هؤلاء الظالمين ، العادلين بربهم الآلهة والأنداد ، والقائلين ما أنزل الله على بشر من شيء ، والمفترين على الله كذبا الزاعمين أن الله أوحى إليه ولم يوح إليه شيء ، والقائلين : سأنزل مثل ما أنزل الله ؛ فتعاينهم وقد غشيتهم سكرات الموت ، ونزل بهم أمر الله ، وحان فناء آجالهم ، والملائكة باسطو أيديهم يضربون وجوههم وأدبارهم ، كما قال جل ثناؤه : فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ يقولون لهم : أخرجوا أنفسكم . والغمرات : جمع غمرة ، وغمرة كل شيء : كثرته ومعظمه ، وأصله : الشيء الذي يغمر الأشياء فيغطيها ، ومنه قول الشاعر :